مقالات واراء

قدَرُ «الغلابة» لمحمود خليل

من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت. من جديد يسقط فقراء هذا الوطن صرعى رصاصات الإرهاب.. ستة من شباب المجندين بالشرطة العسكرية لقوا وجه ربهم برصاصات غادرة اخترقت أجسادهم لتسطر قصة جديدة من قصص الظلم للإنسان المصرى البسيط الذى ليس له ناقة ولا جمل فى الصراع الدائر الآن على السلطة ما بين الإخوان والحكام المؤقتين للبلاد.

الطرفان المتصارعان على السلطة استفادا من الحدث قبل أن يوارَى الشهداء التراب، قبل أن تجف دماؤهم. انبرت بعض الصفحات الإخوانية متحدثة بلسان الشماتة فى هذا الشباب الذى أريق دمه بلا ذنب ولا جريرة، ولا عداء ولا خصومة بينه وبين من أعمل فيه يد القتل. الصدفة العمياء فقط هى التى حكمت عليهم بالتجنيد خلال هذه الفترة العصيبة من تاريخ الوطن لتلقى بهم فى أحضان القتل. حاول القاتل الزنيم أن يتخفى ويزعم أن الجماعة لا علاقة لها بهذه الدماء، لكن الشماتة فضحته، يكفى أن بعضهم ثرثر بعبارة «قتلهم من أخرجوهم»، وألقوا بالمسئولية على القوات المسلحة!

القوات المسلحة -من ناحيتها- بادرت إلى اتهام جماعة الإخوان بقتل الجنود الأبرياء، وانبرت الأجهزة الإعلامية المساندة لها إلى إقامة مناحة علنية وبكائية متواصلة على الشهداء، أرادوا أن ينقلوا لنا من خلالها مدى حزنهم على الدماء التى أريقت، ولم ينسوا الحديث عن الإرهاب الأسود الذى يريد أن يدمر مصر وشعب مصر، وأجريت لقاءات تليفزيونية مع أهالى الشهداء وذويهم، اختلطت فيها الدموع الغزار التى انسابت من آباء وأمهات وإخوة وأقارب الشهداء لتعبّر عن عمق حزنهم وإحساسهم المرير بالنار التى يكبشونها وحدهم فى أيديهم، وقد ضاع أحبتهم بلا ذنب ولا جريرة، وتكامل المشهد مع عرض صور الشهداء وهم صرعى الغدر، وتعليقات زعماء وأشاوس الإعلام على الإرهاب الأسود الذى تمارسه جماعة الإخوان، والموسيقى التصويرية الحزينة التى انسابت من أجل تعميق الشعور بالحزن لدى المشاهد. لقد أراد الطرف الآخر تحقيق أعلى استثمار لهذا الموقف.

هذا قدَر «الغلابة» فى مصر دائماً، أن يستخدمهم عشاق السلطة وعبيد الجاه والنفوذ وقوداً لتحقيق أهدافهم فى الحياة. كذلك تم استثمار شهداء يناير، وشهداء أحداث محمد محمود الأولى والثانية، وشهداء ماسبيرو، وشهداء الشرطة والجيش. وكذلك استثمرت الإخوان من لقوا وجه ربهم بداية من أحداث الحرس الجمهورى، ثم رابعة والنهضة، وحتى الآن. الفارق بين من مات من صفوف الإخوان وغيرهم، أن أتباع الإخوان كانوا يضعون على صدورهم يافطة «مشروع شهيد»! إنهم قوم يحبون الموت كما يزعمون، أما غيرهم فلم يكن كذلك. كان يحلم كما كتبت ذات يوم بحياة أفضل، لم يكن يريد الموت ولم يزعم أنه خرج من بيته طالباً الموت، بل كان يطلب الحياة. مات من مات وأفضى إلى حياة أفضل: «وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى»، وبقى من بقى شاهداً على ما يفعله تجار الدم بالدين وبالأوطان!

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق