حائط مبكى أخير

18

بقلم:عبد الرازق أحمد الشاعر

أنهكتنا القمم، ولم يعد لدينا ما نسمعه من الشاشات المخجلة .. كلالشكر لمن رفع الحرج عن قوائمنا المنهكة وظهورنا المتصلبة،وسمح لنا برصاصة رحمة تأخرت طويلا. كم مللنا الوقوف علىالأرصفة في انتظار غوردو .. كم رأيناه فارسا ملثما يشق غبارالبلادة ويمنح أرضنا الخصب والنماء .. وكلما لدغنا عقرب الوقت،توسلنا بالمعجزات.

للبيت رب يحميه ويحمينا ويحمي شياهنا البليدة تحت الأشجاراليابسة في سنوات قيظ لا تطاق. سيأتي يوسف – كم تمنينا – ليورقالدمع في عيني يعقوب وتثمر وجنتاه عنبا وتينا، سيأتي المنتظرليمزق بسيفه البتار فلول اليهود، ويوزعهم على أقطار الأرض ذراوهباء، فاهدأ أيها العربي الثائر، فللبيت رغم كل هواننا وضعفناوقلة حيلتنا رب يحميه.

كبرنا، وكبرت أمانينا البائسة، وانتفخت بطوننا بالوعود المنبرية،فألقينا بأجرامنا المترهلة فوق عكازة الانتظار. وكبرنا، وكبرتأحلامنا .. حتى تيبست أطرافنا الباردة. وفجأة، شق حسام أرعنأعواد القصب التي ظنناها قادرة على حملنا فوق طوفان الحزنوإعصار الألم. شكرا لمن منحنا لحظة إفاقة، ولو برصاصة رحمةفي جمجمة أمة بحجم المحيط.

للأقصى رب يحميه، لكننا لن نستطيع بعد اليوم أن نحمي شياهناولا أن نهش عليها، ولا أن نرفع أعيننا لنتبجح أمام التاريخ بأنناخير أمة أخرجت للناس. لن نستطيع أن نرفع جباهنا فوق  مستوىالحدث، ولا حواجبنا فوق أسلاكهم الشائكة. ولن نستطيع انتظارغوردو ولا الملائكة التي لن تأتينا في ظلل من الغمام لتضربرؤوسا أينعت حان قطافها.

شكرا لمن مزق غشاوة الأمل الكثيفة أمام أعين رمداء كانتتتجاهل الحقيقة عامدة عن سبق إصرار وعجز. وشكرا لمن سرقواثيابنا وتركونا نرى عرينا في صحراء الأمم مجردين من الستر،كما تجردنا سالفا من المروءة والإرادة والرغبة. وتعسا لرمالتغوص تحت أقدامنا حتى الفناء الأخير والصرخة الأخيرة تحتسيف جلاد لا يرقب فينا إلا ولا عجزا.

لم يعد لنا قدس لنحميه، لأننا ببساطة لم نعد له. أخذوا القدسوتركوا لنا حائط مبكى، يمتد من غلاف التاريخ إلى غلاف المنفى،لنبكي كالنساء ملكا لم نحافظ عليه كالرجال. لم يعد لنا قدس ولا براق، لأننا رضينا بالحياة الدنيا من الآخرة، واستبدلنا الذي هو أدنى بالذي هو خير، وأحببنا الدنيا كما لم يحبها أحد، وكرهنا الموت كما لم يكرهه حتى اليهود.

لا عزاء لمن ينتظرون النصر من فيل أبرهة ولا الطير الأبابيل، فقد نفدت ذخيرة صغارنا هناك من الحجارة، وذاقت جلودهم الناعمة حميم سجيل، وبخلنا عليهم برصاصات نجود بها على خيولنا المسنة بكل سخاء. لا عزاء لمن يتلحف بالتاريخ في وجه العاصفة، ولا عزاء لمن يجلس كعادته البليدة لينتظر مهديا من مؤتمرات بليدة لا تلد إلا فئران ميتة لا زالت رائحتها العفنة تزكم أنوفنا منذ ميلاد. لا غوردو ولا مهدي ينتظر .. فقط يأتينا الموت من كل مكان حتى يرث الحزن أرضنا ومن علينا أو يتغمدنا الله برحمة لا نستحقها بجدارة.

تعليقات