مقالات واراء

درس القرم لمحمود خليل

على هامش أزمة «القرم».. الولايات المتحدة الأمريكية تقول إن روسيا لم تلتزم بتعهداتها السابقة. العدالة استنارت.. وهل كانت الولايات المتحدة الأمريكية تلتزم بتعهداتها؟ عقب تفكك الاتحاد السوفيتى أوائل التسعينات انطلقت الولايات المتحدة تعربد فى دول العالم المختلفة وبدأت تكرس لأدوارها الجديدة فى العالم «أحادى القطبية» الذى تمثّل فيه أمريكا شرطى العالم الوحيد، ومثلما كان تفكك الاتحاد السوفيتى مقدمة لقيام عالم ما بعد الحرب الباردة، سيكون انفصال «القرم» عن أوكرانيا مقدمة لعالم جديد، عالم تحكمه فكرة «المعاملة بالمثل».

«المعاملة بالمثل» تعنى أن تعامل خصمك بنفس الأدوات التى يعاملك بها، فإذا عاملك بالعدل تعاملت معه بالعدل، وإذا عالجك بالقوة، فعليك أن تواجهه بما تمتلكه من أدوات قوة. لقد أعلنت موسكو بشكل صريح أن أى تصعيد فى العقوبات الأمريكية سوف يقابَل بالمثل من جانب روسيا. والإدارة الأمريكية تفهم أن رجلاً مثل «بوتين» إذا قال فعل، فهو ليس كغيره ممن يهوون «الجعجعة» بالكلام دون أن ترى لهم طحيناً، وعلينا أن نتذكر أن الولايات المتحدة عجزت عن القيام بعمليات عسكرية ضد سوريا بعد أن حركت قواتها وآلياتها الحربية، بمجرد أن أظهر لها «بوتين» العين الحمراء، لذلك فليس من المتوقع أن تنتهى المسألة «القرمية» بمواجهة عسكرية عالمية كما يتكهن البعض. فيكفى جداً أن يعلم خصمك أنك جاد فيما تقول حتى يتراجع.

أتصور أن السلطة التى تحكم مصر حالياً أحوج ما تكون إلى استيعاب «درس القرم» وهى تتعامل مع أزمة بحجم أزمة «سد النهضة» الإثيوبى الذى يهدد حقوق مصر فى مياه النيل. لعلك تذكر التصريحات التى شدا بها الدكتور «الببلاوى» وهو يتحدث عن الخير العميم الذى سيعود على إثيوبيا ومصر وغيرها من دول حوض النيل نتيجة إقامة هذا السد، وربما تكون قد تابعت أيضاً أسلوب «الطبطبة» الذى اعتمده وزير الرى فى التعامل مع هذه الأزمة، ثم طريقة «الجعجعة» بالكلام من جانب مسئولين رسميين آخرين. فى كل الأحوال كانت إثيوبيا تسمع كلمات «التدليك» أو «الطبطبة» أو «الجعجعة» فترد عليها بلغة خشنة حاسمة ويخرج مسئولوها مؤكدين أنهم سيواصلون بناء السد ويعلنون عن النسبة التى أنجزوها فى بنائه والتى تجاوزت الـ30% خلال الأسابيع الأخيرة، ولم ينسَ الإثيوبيون تذكير المصريين بالخيارين المتاحين أمامهم: «الرضا والسكوت»، أو صفع الرأس فى الحائط. ففى كل الأحوال تدرك الحكومة الإثيوبية أن السلطة فى مصر غير جادة فى التعامل مع هذا الملف وأن أغلب تصريحات المسئولين حول هذا الموضوع تأتى فى سياق الاستهلاك المحلى.

بوتين -من وجهة نظرى- حاكم أميل إلى الاستبداد، فهو ليس بعيداً عن انتهاج أساليب قمعية -بعض الشىء- فى التعامل مع معارضيه، لكن يبقى أنه ليس كغيره من الحكام المستبدين الذين يوجهون أدوات قوتهم إلى شعوبهم، بل إلى أعداء شعوبهم.. هناك فرق!

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق